أحمد زكي صفوت
56
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
69 - رسالة الجاحظ في بنى أمية « بسم اللّه الرحمن الرحيم ، أطال اللّه بقاءك ، وأتمّ نعمته عليك ، وكرامته لك ، اعلم - أرشدك اللّه أمرك - أن هذه الأمة قد صارت بعد إسلامها ، والخروج من جاهليّتها ، إلى طبقات متفاوتة ، ومنازل مختلفة : فالطبقة الأولى : عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأبى بكر ، وعمر رضى اللّه عنهما ، وستّ سنين من خلافة عثمان رضى اللّه عنه ، كانوا على التوحيد الصحيح ، والإخلاص المحض ، مع الألفة واجتماع الكلمة على الكتاب والسّنّة ، وليس هناك عمل قبيح ، ولا بدعة فاحشة ، ولا نزع يد من طاعة ، ولا حسد ولا غلّ ولا تأوّل ، حتى كان الذي كان : من قتل عثمان رضى اللّه عنه ، وما انتهك منه ، ومن خبطهم إياه بالسلاح ، وبعج « 1 » بطنه بالحراب ، وفرى أوداجه بالمشاقص « 2 » ، وشدخ هامته « 3 » بالعمد ، مع كفّه عن البسط ، ونهيه عن الامتناع ، مع تعريفه لهم قبل ذلك ، من كم وجه يجوز قتل من « 4 » شهد الشهادة ! ؟ وصلّى القبلة ، وأكل الذّبيحة ، ومع ضرب نسائه بحضرته ، وإقحام الرجال على حرمته ، مع اتّقاء نائلة بنت الفرافصة عنه بيدها ، حتى أطنّوا « 5 » إصبعين من أصابعها ، وقد كشفت عن قناعها ، ورفعت عن ذيلها ، ليكون ذلك رادعا لهم ، وكاسرا من غربهم « 6 » ، مع وطئهم في أضلاعه بعد موته ، وإلقائهم على المزبلة جسده
--> ( 1 ) بعجه كمنعه : شقه . ( 2 ) فرآه كرماه : شقه أيضا ، والأوداج جمع ودج بالتحريك . وهو عرق في العنق . والمشاقص جمع مشقص كمنبر : وهو النصل الطويل ، أو سهم فيه ذلك يرمى به الوحش . ( 3 ) الهامة : الرأس ، وشدخه كمنعه : كسره . ( 4 ) أي المسلم ، أخذه من قوله صلى اللّه عليه وسلم في كتابه إلى المنذر بن ساوى » فإن من صلى صلاتنا ، واستقبل قبلتنا ، وأكل ذبيحتنا ، فذلك المسلم » - انظر الجزء الأول ص 45 وكان فيما قاله عثمان في أثناء حصاره : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « لا يحل دم امرئ مسلم إلا في إحدى ثلاث : رجل كفر بعد إسلامه فيقتل ، أو رجل زنى بعد إحصانه فيرجم : أو رجل قتل نفسا بغير نفس » ففيم أقتل ؟ - انظر تاريخ الطبري 5 : 122 . ( 5 ) أطنوا : أي قطعوا . ( 6 ) من غربهم : أي حدتهم .